أثار نظام الخصم المباشر الذي أطلقته الحكومة مطلع أغسطس مخاوف واسعة داخل قطاع المخابز، إذ يرى أصحاب المخابز أن الآلية الجديدة قد تربك إنتاج الخبز المدعم الذي يعتمد عليه نحو 64 مليون مواطن.

 

ويشرح الكاتب شمس الدين عصام في مستهل تقريره كيف يعيد النظام الجديد صياغة العلاقة المالية بين الحكومة والمطاحن والمخابز، في خطوة تمثل بداية عملية لإعادة هيكلة أكبر منظومة دعم في مصر.


وأشار تقرير مدى مصر إلى أن النظام الجديد يمثل أول تطبيق عملي ضمن خطة أوسع لإصلاح منظومة الدعم، في وقت أعلنت فيه الحكومة سابقًا نيتها إنهاء الدعم العيني للخبز تدريجيًا، وإدراجه ضمن سلة سلع يحصل عليها المستفيدون من خلال برنامج للدعم النقدي الشهري، وهو ما أثار مخاوف من تراجع الضمان الحكومي لوصول الخبز إلى الفئات الأكثر احتياجًا في ظل استمرار الضغوط التضخمية.


كانت الحكومة توفر القمح والدقيق للمطاحن والمخابز بنظام الأمانة، ثم تُسوّى الحسابات المالية لاحقًا، بينما كانت وزارة التموين تصرف للمخابز مستحقاتها الخاصة بتكاليف الإنتاج، مثل الطاقة والعمالة، دون إلزامها بشراء الدقيق أو توفير سيولة مالية مسبقة.


أما الآن، فأصبح كل طرف في سلسلة الإنتاج مطالبًا بالدفع مقدمًا، إذ تسدد المطاحن قيمة القمح إلى الهيئة العامة للسلع التموينية قبل استلامه، بينما تشتري المخابز الدقيق من المطاحن نقدًا، ثم تسترد مستحقاتها لاحقًا بعد التحقق من كميات الخبز التي صرفتها للمستفيدين عبر ماكينات صرف البطاقات التموينية.


وأكد مصدران في الشعبة العامة للمخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية أن نظام الخصم المباشر يرتبط مباشرة بخطة الدولة لتطوير منظومة الدعم، إذ يمنح الحكومة قدرة أكبر على متابعة حركة الأموال والسلع رقميًا، بما يهيئ البنية الفنية اللازمة للانتقال إلى الدعم النقدي بدلًا من الدعم العيني.


وينقل النظام الجديد محور الدعم الحكومي من تداول القمح والدقيق إلى حركة الأموال، وهو ما يحمّل المخابز مسؤولية توفير السيولة اللازمة لشراء الدقيق قبل استرداد مستحقاتها من الدولة.


وأكد وزير التموين شريف فاروق، خلال مقابلة تلفزيونية، أن المواطنين لن يتأثروا بهذه التغييرات، موضحًا أن سعر رغيف الخبز المدعم سيظل عند 20 قرشًا بوزن 90 جرامًا، مع استمرار حصول كل مستفيد على خمسة أرغفة يوميًا، وأضاف أن الهدف يتمثل في تعزيز الرقابة على حركة القمح والدقيق، وتقليل الفاقد، وتحسين كفاءة إدارة الدعم.


لكن عاملين في قطاع المخابز أكدوا أن النظام الجديد يقلب آلية العمل بالكامل، ويضيف أعباء مالية جديدة إلى التكاليف المرتفعة التي تعانيها المخابز بالفعل.


ارتفاع أعباء السيولة يضغط على المخابز


اشتكى أصحاب المخابز من أن الحاجة إلى توفير سيولة نقدية مسبقة تأتي في وقت ارتفعت فيه تكاليف التشغيل بصورة كبيرة خلال الأشهر الماضية.


وقبل بدء تطبيق النظام بأيام، طالبت الشعبة العامة للمخابز برفع تكلفة تصنيع الخبز المدعم بنحو 40%، مؤكدة أن المقابل الحالي لم يعد يغطي زيادات الأجور وأسعار الطاقة ومستلزمات التشغيل والرسوم الإدارية.


وفي المقابل، رفعت وزارة التموين قيمة دعم إنتاج الخبز المدعم بنسبة 10% اعتبارًا من الأول من أغسطس، مع تعهدها بإعادة مراجعة تكلفة الإنتاج بعد تقييم آثار النظام الجديد.


ويرى أصحاب المخابز أن هذه الزيادة تهدف إلى تهدئة اعتراضات القطاع أكثر من كونها حلًا فعليًا للأعباء المتزايدة، مؤكدين أن أسس احتساب تكلفة الإنتاج لا تعكس الواقع، إذ تفترض الحكومة إنتاج نحو 660 رغيفًا من جوال الدقيق وزنة 50 كيلوجرامًا، بينما لا يتجاوز الإنتاج الفعلي نحو 620 رغيفًا عند الالتزام بالوزن الرسمي البالغ 90 جرامًا للرغيف.


ويؤدي هذا الفارق، بحسب أصحاب المخابز، إلى خسائر مباشرة أو يدفع بعض المخابز إلى تقليل وزن الرغيف لتعويض العجز.


كما طالب ممثلون عن القطاع بمراجعة معدلات استهلاك السولار والردة، لأنها لا تزال تعتمد على تقديرات وضعت عندما كان وزن الرغيف 110 جرامات، رغم انخفاضه لاحقًا إلى 90 جرامًا.


وشهد وزن رغيف الخبز المدعم عدة تخفيضات خلال السنوات الماضية، إذ انخفض إلى 110 جرامات عام 2014، ثم إلى 90 جرامًا في عام 2020، بينما ارتفع سعره في عام 2024 إلى 20 قرشًا مع الإبقاء على الوزن نفسه.


وأشار أصحاب المخابز أيضًا إلى أن رسوم التراخيص والإجراءات الإدارية تمثل عبئًا إضافيًا، إذ تتجاوز تكلفة تقنين أوضاع بعض المخابز 100 ألف جنيه، فضلًا عن رسوم السجل التجاري وغرفة صناعة الحبوب والهيئة القومية لسلامة الغذاء والحماية المدنية وغيرها، دون احتساب هذه النفقات ضمن تكلفة الإنتاج المعتمدة.


وجدد القطاع مطالبه بمراجعة القرار الوزاري رقم 175 لسنة 2024 الخاص بالغرامات، معتبرًا أن العقوبات المالية الواردة فيه زادت الضغوط على المخابز.


وأوضح مصدر في شعبة مخابز أسيوط أن النظام الجديد يفرض على المخابز تعيين موظفين مختصين بمتابعة الحسابات البنكية وحركة المدفوعات والودائع، بما يضيف تكلفة تشغيلية جديدة.


عقبات التنفيذ تثير القلق


أرجأت الحكومة تطبيق نظام الخصم المباشر شهرًا كاملًا بعد اعتراضات واسعة من أصحاب المخابز، إذ كان من المقرر بدء العمل به مطلع يوليو، لكن التعليمات التنفيذية وصلت قبل موعد التطبيق بفترة قصيرة، ولم تمنح المخابز والمطاحن وقتًا كافيًا لاستكمال الإجراءات المصرفية أو اختبار الدورة المالية الجديدة.


ورغم مهلة التأجيل، لا تزال تفاصيل عديدة غير محسومة، كما أن عددًا كبيرًا من المخابز لم يستكمل استعداداته للعمل بالنظام الجديد.


وكشفت الأيام الأولى للتطبيق عن مشكلات تشغيلية، بعدما تأخرت وزارة التموين في إيداع المبالغ المخصصة لشراء الدقيق في حسابات المخابز، بينما حصلت بعض المخابز على مبالغ أقل من المستحق أو تكفي ليوم إنتاج واحد فقط، إضافة إلى خصم مديونيات سابقة من هذه الإيداعات، وهو ما حرم بعض المخابز من السيولة اللازمة لبدء دورة الإنتاج.


ودفع ذلك بعض أصحاب المخابز إلى سداد قيمة حصص الدقيق مقدمًا من أموالهم الخاصة لتجنب توقف الإنتاج.


ويخشى أصحاب المخابز من أن يؤدي أي تعطل في النظام الرقمي أو تأخر في المدفوعات إلى اضطراب دورة العمل اليومية، خاصة لدى المخابز الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على السيولة اليومية.


وأكد أحد مسؤولي شعبة المخابز أن أصحاب المخابز قد يضطرون إلى وقف الإنتاج أو الاقتراض لتوفير السيولة إذا تأخرت مستحقاتهم، بينما حذر مصدر في شعبة مخابز المنوفية من أن المواطن سيكون المتضرر الأكبر إذا أغلقت المخابز أبوابها بسبب نقص الأموال.


مستقبل المنظومة بين الوعود والمخاوف


تؤكد وزارة التموين أن نظام الخصم المباشر يهدف إلى تنظيم الدورة المالية ورفع كفاءة إدارة الدعم وتعزيز الرقابة، دون المساس بحقوق المواطنين أو حصصهم من الخبز المدعم.


ويرى الوزير شريف فاروق أن النظام الجديد يعزز إحساس جميع الأطراف بقيمة السلع التي يتعاملون معها، ويحد من الممارسات غير المنضبطة، لكنه لم يعلن حتى الآن خطة طوارئ تضمن استمرار إنتاج الخبز إذا تعرض النظام الرقمي لأعطال تستمر ساعات أو يومًا كاملًا.


ويترقب أصحاب نحو 30 ألف مخبز في مختلف أنحاء البلاد نتائج التجربة الجديدة، وسط تساؤلات حول قدرة النظام على ضمان استمرار الإنتاج، وسرعة تعامل وزارة التموين مع أي خلل قد يهدد وصول الخبز المدعم إلى مستحقيه.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/08/03/news/u/bakeries-voice-concerns-that-new-direct-debit-system-could-disrupt-subsidized-bread-production/